التغير المناخي يُهدد الزراعة في فلسطين
محاصيل تتراجع وأراضٍ تُعزل والعطش يزداد
في منطقة وادي المطوي غرب مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية، يقف المزارع الشاب معاذ رزق الله إلى جانب والده بين محاصيلهم الزراعية التي يعتنون بها على مدار العام، يراقب بعين القلق تقلبات الطقس التي باتت تغير طبيعة الزراعة وشروطها القاسية.
كان هذا الوادي رمزا للخصب والخضرة في أعين المزارعين، لكن تغيّر المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع كميات الأمطار، باتت عوامل تنذر بمواسم لا تسرّ مزارعا ولا مستهلكا. "أصبحنا نلمس تأثير تغيّر المناخ عاما بعد عام"، يقول رزق الله، مضيفًا أن "ارتفاع درجات الحرارة تسبب في تغيير مواعيد المواسم الزراعية، وأدى إلى إصابة بعض المحاصيل بأمراض لم نكن نعرفها من قبل"
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، إذ يربط رزق الله بين هذه التغيرات المناخية وجفاف الينابيع التي لطالما اعتمدوا عليها في ريّ أراضيهم. ويؤكد أن "شحّ الأمطار وحرارة الصيف، إلى جانب اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين وسرقتهم للمياه، كلّها عوامل ساهمت في جفاف ينابيع كنا نروي منها محاصيلنا"
منطقة وادي المطوي
ويضيف رزق الله، انه يقوم في زراعة محصول البندورة البلدية منذ العام 2007 في فترات معينة، لكنه يقول إن "ارتفاع درجات الحرارة تسبب في تغيير مواعيد المواسم الزراعية، وأدى إلى إصابة بعض المحاصيل بأمراض لم نكن نعرفها من قبل، فقد كنت ازرع الملوخية والخيار والفول والباذنجان والفلفل والبندورة ". ويضيف أن تراجع الأمطار وجفاف الينابيع ضاعف من أعباء المزارعين في المنطقة.
وفي بلدة يعبد جنوب غرب جنين، لا يختلف المشهد كثيرا ً، فعدد من المزارعين يتطلعون بمرارة إلى أراضيهم التي أصابها الجفاف ويقول جهاد عمارنة بمرارة " المطر أصبح نادر، والمياه الجوفية صارت بعيدة عن متناولنا، حتى السدود ما عنا... الموسم هذا الأسوأ من عشرين سنة".
شهادة المزارعين في البلدة، تعكس واقعا زراعيا متأزما، حيث تتقاطع تأثيرات التغير المناخي مع قيود الاحتلال الإسرائيلي على الموارد الطبيعية، لتشكل أزمة وجودية تهدد الأمن الغذائي الفلسطيني.
ويتفق المزارعان رزق الله وعمارنة، على أن محاولتهما لإيجاد حلول ذاتية في الزراعة تكاد تكون مستحيلة، بسبب عدم قدرتهم على ممارسة أعمالهم بحرية في ظل شح المياه وقيود الاحتلال المستمرة بالإضافة إلى حاجتهم لاكتساب الخبرة في التكيف مع التغير المناخي
وأمام هذا الواقع، تسعى بلدية يعبد لإنشاء وحدة ري زراعية في سهل البلدة تشمل تمديد خطوط مياه وإنشاء خزانات توزيع، وتوفير مصادر إضافية للمياه، في محاولة لخدمة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية وللمساهمة في تعزيز وتطوير القطاع الزراعي في المنطقة
وفق تقرير المساهمات المحددة وطنياً لدولة فلسطين هو وثيقة رسمية تُقدّمها الدول الأطراف في اتفاق باريس للمناخ 2015، يوضّح كيف تخطط كل دولة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة، والتكيف مع آثار تغيّر المناخ، وتحقيق التنمية المستدامة، وكانت دولة فلسطين انضمت لهذه الاتفاقية في العام 2015 ويتضمن تقريرها الاثار الضارة لتغير المناخ على الأراضي الفلسطينية ويحدد أولويات التخفيف والتكيف.
وفيما تشير البيانات العلمية بأن بعض المحاصيل الأساسية في مهب الريح، الأستاذ الدكتور منقذ شتيه، من جامعة النجاح الوطنية، نشر أبحاثا حول تأثير المناخ على محاصيل البندورة والعنب والزيتون، والتي تعد العمود الفقري للزراعة الفلسطينية.
وقد كشفت الدراسة التي نشرت في منتصف العام 2023 أن الحرارة عند درجة 21 مئوية لها علاقة إيجابية مع إنتاج محصول البندورة، وأن أي ارتفاع للحرارة فوق ذلك يؤثر سلباً على الإنتاج، في حين أن الزيتون أظهر علاقة عكسية مع درجة الحرارة وعلاقة إيجابية مع هطول الأمطار. أما العنب فإنه يتأثر سلباً بارتفاع درجة الحرارة.
وحذر شتيه من أن الأصناف المحلية التي تكيفت لعقود مع المناخ الفلسطيني، لم تعد قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية المتسارعة. موضحا أن موجات الحر في فصل الصيف تقلّص إنتاج العنب، وتؤدي إلى ضعف جودة البندورة، بينما يفاقم غياب أنظمة الري من معاناة الزيتون. ولفت إلى أن عطش التربة يدفع شجرة الزيتون إلى استهلاك ما في ثمارها من ماء، فتذبل وتتجعد وتخسر كثيرًا من جودتها وقيمتها في السوق.
جرافيك يوضح تفاصيل تأثير التغير المناخي
جرافيك يوضح تفاصيل تأثير التغير المناخي
الزراعة الذكية مناخيا
وتعرف الزراعة الذكية مناخيا بانها نهج جديد يوظف التكنولوجيا والبيانات الحديثة لتعزيز صمود سبل العيش الزراعية، وتهدف إلى تطوير ممارسات زراعية مقاومة للمناخ وتزويد المزارعين بمعلومات حول توقيت الزراعة والحصاد، وكما انها تقوم على استخدام تقنيات حديثة مثل أنظمة الري بالتنقيط وترشيد استهلاك المياه، وزراعة أصناف مقاومة للجفاف والحرارة، إضافة إلى اعتماد الطاقة المتجددة في تشغيل مضخات المياه والبيوت البلاستيكية.
حلول مقترحة لمواجهة التحديات المناخية
المعركة التي يخوضها المزارع الفلسطيني يومياً لم تعد فقط مع الاحتلال، بل مع مناخ يتغير، وخاصة في ظل شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وتآكل الأراضي الزراعية، وتتراجع المحاصيل، ويتراجع معها الأمل.
وضمن تقرير المساهمات المحددة وطنياً، وضعت فلسطين خطة لمواجهة آثار التغير المناخي، تتضمن تحسين كفاءة استخدام المياه، وتوسيع مشاريع الزراعة الذكية مناخياً، وإنشاء مراكز أبحاث محلية. لكن الواقع على الأرض يُظهر أن التنفيذ يواجه عراقيل، أبرزها التمويل والاحتلال.
وتشير رئيس سلطة جودة البيئة د. نسرين التميمي إلى نجاح دولة فلسطين في تأمين تمويل من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع الطاقة المتجددة، بما يعزز قدرة فلسطين على التكيّف مع آثار التغير المناخي، وينسجم مع التزاماتها في إطار اتفاقية باريس للمناخ.
وأضافت ان سلطة جودة البيئة تتبنى نهجا متكاملًا لحماية الأرض من التدهور والتصحر، بالشراكة مع وزارة الزراعة لتعزيز استدامة النظم البيئية وذلك من خلال إدماج البعد البيئي في السياسات الزراعية.
وتتركز الجهود حاليا على تعزيز الزراعة الذكية مناخيا، من خلال توجيه الممارسات الزراعية نحو التكيف مع شح المياه، والحفاظ على رطوبة التربة، بما يحمي التربة والمياه من التدهور السريع.
وفيما يرى د. شتية أن أبرز الحلول ضرورة الاعتماد على أصناف جديدة من البذور المحسنة التي تتميز بمقاومتها للجفاف والحرارة والملوحة، بدلاً من الأصناف التقليدية، داعيا ً الى استخدام الأسمدة العضوية التي تعمل على تحسين خصائص التربة وتزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، مما يعزز تحمل المحاصيل للجفاف والتحول نحو أنظمة ري فعالة مثل الري بالتنقيط للحد من هدر المياه الناتج عن التبخر. وحث المزارعين على عدم الاعتماد على محصول واحد لتجنب الخسائر الكبيرة في حال تأثره بالتغيرات المناخية.
الخليل نموذجا: تغير المناخ يجرف الأمن الغذائي
حذّرت دراسة نُشرت في سبتمبر 2023 في مجلة Nature Reports Climate Change أعدّها فؤاد أبو سيف وعبد الله بن سعد، من تراجع الزراعة في الخليل بفعل تغيّر المناخ، مشيرة إلى أن انخفاض الأمطار وارتفاع تركيز الكربون الجوي قلّصا المساحات المزروعة وعدد العاملين في القطاع.
وأوضحت أن سياسات الاحتلال، من مصادرة الأراضي وبناء جدار الفصل، فاقمت هذا التدهور بعزل آلاف الدونمات وشحّ الموارد المائية.
البروفيسور شتية قال إن محاصيل محلية، كالعدس، باتت شبه منقرضة ويجري استيرادها، مضيفًا أن القيود الإسرائيلية تعرقل مشاريع الحصاد المائي وتحدّ من قدرة المزارعين على التكيّف مع التغيّرات البيئية.
في المقابل، أطلقت وزارة الزراعة، بتمويل أوروبي وتنفيذ محلي، مشروعا للتأمين الزراعي يستهدف مزارعي البندورة والعنب ومربي الدواجن، بدعم يصل إلى 60% من قيمة البوليصة، بهدف حماية الإنتاج واستقرار الأمن الغذائي.
وأشار وزير الزراعة البروفيسور رزق سليمية " أن إطلاق التأمين الزراعي اليوم هو خطوة نوعية نحو تمكين المزارعين وحمايتهم ضد المخاطر، ونعمل بكل طاقاتنا مع شركائنا لتكريس هذا النهج كأحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني.
مجموعة من المزراعين في بلدة يعبد لمناقشة موضوع انشاء شبكة ري زراعية
مجموعة من المزراعين في بلدة يعبد لمناقشة موضوع انشاء شبكة ري زراعية
الموقع الذي سيتم فيه انشاء شبكة الري الزراعية
الموقع الذي سيتم فيه انشاء شبكة الري الزراعية
البروفيسور رزق سليميه . وزير الزراعة الفلسطيني
البروفيسور رزق سليميه . وزير الزراعة الفلسطيني
نسبة تأثر المحاصيل الزراعية الفلسطينية بالتغير المناخي
نسبة تأثر المحاصيل الزراعية الفلسطينية بالتغير المناخي
رسم بياني خطي يوضح كيف تتراجع إنتاجية المحاصيل (البندورة، العنب، الزيتون) مع ارتفاع درجات الحرارة، ويُظهر عند 21° الحد الفاصل الذي تبدأ بعده الإنتاجية بالانخفاض بشكل واضح.
رسم بياني خطي يوضح كيف تتراجع إنتاجية المحاصيل (البندورة، العنب، الزيتون) مع ارتفاع درجات الحرارة، ويُظهر عند 21° الحد الفاصل الذي تبدأ بعده الإنتاجية بالانخفاض بشكل واضح.
الرسم البياني يوضح تراجع معدلات الأمطار في فلسطين بين عام 2000 و2023، حيث يظهر انخفاض مستمر من حوالي 620 ملم/سنة إلى نحو 420 ملم/سنة، ما يعكس أزمة مائية متفاقمة تؤثر مباشرة على الزراعة.
الرسم البياني يوضح تراجع معدلات الأمطار في فلسطين بين عام 2000 و2023، حيث يظهر انخفاض مستمر من حوالي 620 ملم/سنة إلى نحو 420 ملم/سنة، ما يعكس أزمة مائية متفاقمة تؤثر مباشرة على الزراعة.